المقريزي
386
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فأقيم بعده ابنه تدروس ، وهلك سريعا ، فأقيم من بعده أخوه إسحاق وفخم أمره ، وذلك أن بعض المماليك الأتراك أو الجراكسة كان يسمّى الطنبغا مغرق فرّ إليه وحظي عنده لما يتقنه من الآلات الحربية وأدوات القتال كاللّعب بالرّمح والرّمي بالسّهام ونحو ذلك . ولحق به أيضا زردكاش « 1 » من المماليك الجراكسة ، فعمل له زردخاناه « 2 » عظيمة ، وتعلم عسكره أنواعا من صنائع الحرب ، ثم قدم عليه رجل من كتاب مصر النّصارى يعرف بفخر الدولة ، فرتب له مملكته ، وجبى له الأموال ، فصار ملكا بعد ما كانت مملكته ومملكة آبائه همجا لا ديوان لها ولا قانون ، فانضبطت عنده الأمور ، وتميز زيّه عن رعيّته ، بحيث أخبرني من شاهده وهو راكب وفي يده صليب من ياقوت أحمر قد قبض عليه بيده اليمنى ووضعها على فخذه ، وطرفا الصّليب بارزان عن يده ، وذلك بعد ما أخبرني برهان الدّين إبراهيم الدّمياطي . وكان الظاهر برقوق بعثه رسولا إلى الحطّي داود بن سيف أرعد أنه لا يزال عريانا حاسر الرأس ، وأنّه يعصب رأسه بعصابة حمراء ، وأنه شاهده وقد جيء إليه بكرش بقرة قد نفض منها ما فيها من الفرث ، ولم تغسل ولم تغل على نار فصار يأكلها نيئة ، وما بقي بها من الفرث يسيل من جانبي فمه ، فلما تحضّرت مملكة إسحاق وسوس إليه شياطينه بأخذ ممالك الإسلام ، فأوقع بمن في ممالك الحبشة من المسلمين وقائع شنيعة طويلة ، قتل منهم فيها وسبى وأسر أمما لا يحصيهم إلا اللّه خالقهم ، وأزال دولة سعد الدّين ، وأسر ابنيه منصورا ومحمدا ، وكتب إلى بلاد الفرنج يحثّ من بها من الفرنج على المسير إلى بلاد المسلمين ليوافوه في البحر إذا قدم هو في البرّ ، وواعدهم على ذلك فعاجله اللّه بنقمته وأهلكه عقيب ذلك في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة ، وأيد عليه وعلى قومه أمحرة النّصارى
--> ( 1 ) هو الذي يعمل في صنع السلاح وإصلاحه في السلاحخاناه . ( 2 ) هي مخزن السلاح .